Wednesday, November 28, 2012

بنج موضعي


ضحكت طويلا عندما قرأت مقال النيويورك تايمز عن أزمة هبة تشرين في الأردن، الأمريكان حقيقة يعرفون كيف يقرأون الشارع وقت الأزمات، كيف يجيرون ما يحدث فيه لمصلحتهم...بل حتى كيف يزردعون أفكارا لا تخطر على بال الجن الأزرق.

خلال الهبة وكعادتي في محبة معايشة الحدث، شاركت في المسيرات التي كانت تحدث في عمان  وبالتحديد في جبل الحسين، دائما كان يفرقنا الدرك لنتجه نحو المخيم هربا من الاعتقال ولملمةً للصفوف. يوم الخميس قرر الشباب التوجه نحو بوابة الديوان الملكي من طريق شارع الأردن. كالعادة مضيت مع الجماعة التي استمرت تكبر وتكبر خلال المسير بين البيوت الفقيرة المنتشرة على عتبات القصر. طوال الطريق وطيلة أيام الهبة لم أسمع شخصيا أي هتاف للأمير حمزة ولم أشعر بأي توجه نحو الأمير كأمل قادم، حتى هتاف إسقاط النظام لو حللناه بما يتفق مع سايكولوجيا الجماهير لوجدنا بكل بساطة أن ما يُراد حقّا اسقاطه هو "نهج" أكثر من كونه "عرش".

المقال الصادم من النيويورك تايمز كان بمثابة قمة التشويه وتلبيس الحقائق لما يدور فعليا في الشارع، ويعطي مؤشرا خطيرا لخطة "ب" يتم تحضيرها خارجيا للتنفيذ أردنيا في حال ساءت الأمور. زاد على كل هذا سوءا مقال القدس العربي الذي تحدث فيه عن رسائل تطمينية من جماعة الاخوان المسلمين إلى الملكة رانيا حول مؤسسة ولاية العهد. أعتقد أن كل قصة الرسائل هي محض افتراء ومحاولة أخرى لزرع فكرة إشكالية ولاية العهد وخلق صراع على الفراغ بين الفئات السياسية الأردنية وشق ثوب المعارضة المهترئ أصلا.

عبر تاريخ المملكة ومنذ استلام الهاشميين للسلطة، لم يبدأ أي ملك عهده بشعبية واسعة ربما نستثني من هذا الملك طلال الذي كان مرغوبا من قبل الجماهير لمواقفه المناهضة للاستعمار والداعمة للقضايا العربية. باقي الملوك اكتسبوا شعبيتهم بمرور الوقت،  لم يكن الأردنيون يعرفون ملكهم الحالي وهو أمير ولم يكن له معشار الشعبية والاحترام الذي يكنه الأردنيون لشخصية من شاكلة الأمير الحسن بن طلال، ولكنّ الأردنيين نقلوا عادة الحب بعد الزواج من نطاق الزوجية إلى نطاق علاقة الحاكم والمحكوم، ولم تشكل هوية الحاكم لهم أي إشكال، ربما يشعرون بين الحين والآخر أن "س" ربما يكون أصلح من "ص" لكنهم وبعادتهم يفضلون ال"ستيرة" ومعايشة الواقع.

مرحلة ازدراع الأفكار هو ما يمكنني توصيفه للحالة الراهنة، ربما تكون مقالة النيويورك تايمز من التأثير على صناع القرار الأمريكيين بما يفوق كل ما تمت كتابته منذ بداية الربيع العربي بما يخص الشأن الأردني، بل حتى أن هذه المقالة ربما قامت بما لم تقم به الكثير من المظاهرات الكبرى حول المملكة. زرع فكرة الحل البديل عن طريق تبديل الأسماء هو حل لا يبتعد كثيرا عن العقلية الأمريكية في الإبقاء على المملكة بدورها الوظيفي والاحتفاظ بالأردن في الجعبة الأمريكية وتخدير الوضع الداخلي لسنوات طويلة قادمة أملا في "الجديد القادم".

بغض النظر عن ما هو قادم، ما سقط فعليا في عيون الناس هو نهج القيادة والكوارث التي جلبتها للبلد، -النهج- وليس الشخص هو ما يجب تغييره، التعدي على شؤون الأردن الداخلية لا يمكنني قبوله من أي كان، والارتهان للخارجي الذي أفقدنا جل شعورنا القومي وانتماءنا للمحيط العربي والإسلامي لا يمكن القبول بعلاجه عن طريق حلّ خارجي مهما كانت المبررات، عقد اجتماعي جديد نحفظ فيه حقوقنا ونرسم "للجميع" حدوده ونوضح فيه بكل صراحة أن "من يحكم يُسأل".
مشاكلنا نحلها بأيدينا...لسنا بحاجة إلى الأجنبي..ومتى دخل الأجنبي دخلت الفتنة. 

Friday, November 16, 2012

في قلب العاصفة

النظام ...
شعور غريب، هل كان يجب أن تصل الأمور إلى هذا الحد؟ لماذا؟ هل هم وهو بهذه الدرجة من الغباء؟ كل هذا كان يدور في خَلَدي وأنا بين الشباب الغاضب المخنوق من الوضع القائم والغاز المسيل للدموع في جبل الحسين بعد دفعنا من قبل قوات الدرك من مشارف دوار الداخلية يوم الخميس الأربعاء الماضي ... "يسقط يسقط عبدالله" كانت تدوي بين البنايات بشكل مخيف ... أحيانا أستشعر بعمق أنه وللحظات الدولة بنظام حكمها هو المؤجج الرئيس للشارع...لم تفلح محاولات الحراكات والأحزاب في تأليب الشارع كما نجحت به منظومة الحكم في هذا البلد ..غالب  الوجوه لا أعرفها متوسط الأعمار لا يتجاوز الخمسة والعشرين عاما .. غضب شديد وخوف اشد من مسقبل غامض ينتظرنا ...

لم أكن قط مع كل الهتاف المنادي باسقاط النظام ... الكثير شعرت برغبته الشديدة في ترديده من باب النكاية أحيانا أو التقليد في الأغلب  قليل جدا هم اولئك المؤمنون به حقا... لكن الهتاف ضد الملك عبدالله الثاني كان يأتي من الصميم... الشعور العارم الخيانة والابتسامات من نوافذ البيوت عند التذكير بما يشاع عن الملك من مثالب تعطي الكثير من المعاني عن الوعي المخفي لدى الكثير من الأردنيين عمّا يحصل حقا خلف أبواب القصر ... برغم الكثير من قناعاتي اخترت أن لا أهتف بإسقاط الملك... مراقبة المشهد العام بالنسبة لي تحتاج الكثير من التركيز الذي كنت بالكاد أحافظ عليه وسط الغاز والجري أمام الدرك والهروب من حافلة الاعتقال ...

من باب ال"تخبيص"القول بأن الشارع يريد اسقاط النظام..الشارع يريد لقمة العيش الكريمة..الشارع لم يابه بكل المناكفة والانحدار السياسي خلال عامين لكنه اهتز وبقوة جرّاء ما يجري على مائدة الطعام التي تصغر باستمرار...ومن باب المراهقة كل هذا التركيز على هتافات اسقاط الوضع السياسي القائم التي تنفر غالب الناس وتدفع بهم للابتعاد عما يجري بدلا من جذبهم عبر الهتاف المنادي بلقمة العيش الكريمة...

الدم ...
الغضب العارم التي اجتاح البلد مساء يوم الثلاثاء نتيجة لرفع أسعار المحروقات لم اشاهده قط..الرغبة في عقاب المسؤول عن هذا المآل كان الغالب...يوم الأربعاء انفجر الشارع بالكامل..المضحك المبكي المؤلم أن مناطق العشائر حول الممكلة هي من شهدت بشكل أو بآخر "العنف" وال"تخريب" ... دولة زرعت الفرقة وأججت الولاءات العشائرية منذ عام 1999 من قمة الغباء أن لا ترى أن الدم سيأتي من حيث تكون الثقافة الوطنية في أدنى مستوى مقارنة بالشعور الوطني العام عدى عن المدسوسين من قبل الأجهزة الأمنية الذين سأتكلم عنهم لاحقا ...في المقابل حافظت عمان واربد على نهج الاحتجاج السلمي بالرغم من كل الاعتقال والقمع .. الزرقاء دخلت على خط الاحتجاج في مؤشر خطير جدا على خسارة الطبقة الوسطى التي تمثل مثاليتها في الأردن ..

خبر مقتل أول شباب البلد ليل الاربعاء شكّل كارثة بالنسبة لي ... لحقه بدقائق خبر اصابة أحد أفراد قوات الدرك بالرصاص في منطقة عشائرية ..الدم في مجتمع مثل مجتمعنا لا يمكن احتماله ... طبعا الرواية الرسمية لمقتل الشاب أثناء اقتحامه بالسلاح لمركز أمني بالنسبة لي هي نموذج للهراء الرسمي ... وفي مجتمع مثل مجتمعنا وكما عهدنا من تصريحات السلطة فهي آخر ما يمكن الوثوق به حتى بما يتعلق بحالة الطقس ...

التدليس...
لا يمكنني أن أتوقع من جهاز أمن يتربع على رأسه شخص مثل حسين المجالي إلا ما رأيته وسمعته..شخص بعنجهية المجالي وتاريخه المتواصل من الأردن للبحرين في خلق مؤسسات الخوف تجعل كل ما يتفوه به متوقع تماما ... الكذب هو كلمة لطيفة جدا لوصف التصريحات التي خرج علينا بها جهاز الأمن العام والتدليس ربما تكون أكثر مناسبة لما يحدث ...

وصف كل حالة شغب بأنها منسوبة لناشطي الحراك السياسي هو قمة الدناءة...لماذا كانت الحالة السلمية الكاملة من التحرك الشعبي خلال الأيام الأربعة الماضية متركزة في المناطق التي شهدت نشاطات الحراك خلال السنتين الماضييتين؟ لماذا يتركز العنف في المناطق العشائرية؟ لماذا تجد في نفس المنطقة احتجاجا سلميا يرافقه على مسافة قريبة مجموعة تقوم بالنهب والتخريب والإحراق؟ لماذا تم اغفال مجموعات الزعران التي تهجمت على الاعتصامات السلمية في اربد بالسلاح الأبيض بعد فشل الدرك في فض الاعتصام السلمي في ميدات وصفي التل بإربد؟ 

مجتمع تحرك بكل ما فيه من جمال وقبح ... رزان وهيجان...يتوقع منه كل شئ بعد افراغ الجيوب المثقوبة اصلا، لكن ميليشات الروؤس الكبار التي رأيناها في أكثر من مناسبة خلال سنوات قبل ابتداء الحراك الشعبي واثناءه لم يتم حتى التلميح لها ... الكل يعلم أنه في أوقات الأزمة تنشط المجموعات الإجرامية...لكن وكعادة أنظمتنا العربية التي تشترك بنفس مشيمة السقوط الأخلاقي يتم وصف كل مجرم بأنه حراكي ...

في الداخلية وبعد دفعنا من قوات الدرك نحو الحسيني وتحت وطأة القمع الغير مبرر والغاز الذي خنق الجميع، بدأ بعض الشباب برمي الحجارة، طبعا تم الضرب على أيديهم ولكن ليس من قبل الدرك ولكن من قبل بقية العاقلين داخل التظاهرة ... مشاهد مشرفة تكررت تجاه بعض "الغرباء" الذين حاولوا اما خلع عمود من الرصيف أو اتلاف شجرة  ... اعتقد ان القمع الذي تلقوه من جانب المتظاهرين كان على وشك أن يقارب مستوى القمع الذي شهدناه من قوات الدرك الا أنه كان ينقصنا الغاز ... لماذا لم تتعرض أي سيارة للتخريب؟ لماذا لم يتم كسر نوافذ أي محل علما أنها كانت كلها مفتوحة ذلك الوقت؟ البارحة وفي شارع الأردن دورية شرطة دخلت من منتصف التظاهرة ولم يتم التعرض لها ولو بكلمة ... ألا يدعو ذلك للفخر والذكرأكثر من حالات التخريب ذات المنبت المشكوك بأصله ...

أين الملك؟
في عين الإعصار..وفي ظل أسوأ أزمة يتلقاها الأردن خلال فترة حكمه... يختفي الملك...أنا اؤمن أن الأردن مر بظروف أصعب على العائلة الحاكمة مما يحدث اليوم..اتساءل عن شعوره وهو يسمع اسمه يتردد على جدران عمان وجدران ديوانه بصورة مخالفة لما عهده خلال عهده الميمون..... الملك لم أرغب بلقاءه إلا مرة واحدة  قبل شهور...اليوم أتمنى لقاءه لأسمع منه وأحكي له الكثير...لكن الأغلب أن ما ساقوله لن يعجبه.

Monday, November 5, 2012

الزينكو

الواح الزينكو مظهر شديد الارتباط بالبيت الأردني البسيط وعموم البيوت العربية الفقيرة..هو سقف المساكين وغطاؤهم من دموع السماء وتورّد خدود الشمس..هو آخر خط دفاعي للسترة من الغريب .. هو ذلك الفرد من العائلة الذي قد يزعج البقية بعليّ صوته -حين الكرب- لكنهم يعذرونه فهو على ما يبدو يقوم بالمهمة على أكمل وجه ولا يعبئ بتذمر هذا أو تلك... يعينه على الوقوف في مكانه قليل من اللحام وفي بعض الأحيان قطع من "بلوك البناء" الموزع بعشوائية على سطحه الخارجي

المطر جميل خصوصا عندما يأتي على غفلة...الزينكو جهاز الانذار المبكر "لست اليت" لحماية الغسيل من البلل..وبشرى أمل ل"بير الدار" بتعبئة مجانية سماوية تبث شيئا من الرطوبة في شرايين العطشى .. وخطوط الماء المتسربة من حوافّه تصنع "برداية" من اللؤلؤ على باب الحوش ...

هنالك ما يعرف بال"مضخمات" في الأجهزة الكهربائية...مضخمات صوتية ومضخمات إشارة وغيرها..بالنسبة لي الزينكو هو "مضخّم الأمل" الخاص جدا..حقيقة منذ طفولتي كنا نتقافز على الشبابيك عندما نسمع تلك الموسيقى التي تبدأ بالانهمار من لوح الزينكو في حوش الجيران..منظر المطر في مدينة جافّة مثل الزرقاء هو مدعاة للاحتفال...كان الصوت عاليا في بعض الأحيان فنتخيل أن الدنيا "مزاريب" لكن نتفاجئ أن الحقيقة أن لوح الزينكو ضخّم صوت المطر بطريقة مخالفة حقيقة الواقع يصيب البعض الإحباط لكني مسرور بالمجمل ..شوية أمل ما بتضر..

موسيقى قرع المطر تتوافق بشكل غريب مع ما يجول في خَلَد الشخص..تسمعه في بعض الأحيان حزينا وأخرى متذمرا .. أحيانا كلحن رومانسي وأحيانا أخرى كقرع طبول الحرب..

البارحة عند منتصف الليل أطفأت الحاسوب وجلست أستمع إلى القرع الغائب منذ زمن على شرفة البيت...أطفأت الأضواء..خرجت قليلا لأبتل..عدت إلى فراشي وكان أصوات جميلة ترنّ في رأسي قائلة
أمل ... أمل ... أمل

المشكلة أن "صاحب عمارة" أزال طوب البناء من فوق البلوك وأنا أخشى جدا من الريح القادمة أن تذهب بالزينكو وتذهب بنا معه ...

Saturday, September 22, 2012

طريق المطار




­­­طريق المطار...


رائحة السجائر التي تعبق بالمكان تملئ نفسه برغبة عارمة على الاستفراغ...كل شئ يدفع بي للهروب خارجا...لكن المخيف حقا كانت تلك العتمة المطلقة في نهاية البهو...قضبان من حديد رمادي تكاد تكون خفية في ذلك الظلام...رعب عميق تسرب من عيون سرب المكبلين إلى روح ذلك الصبي ابن الثمانية أعوام أثناء مسيرهم نحو ذلك الثقب الأسود المُغرِق في الشر...الصفعة التي هبطت على رقبة أحدهم من يد شرطي أحسست بوجعها في صدري على الأغلب قبل وصولها إلى هدفها المكشوف تماما...عشرات الندوب وآثار السكاكين على وجه وجسم الموقوف الدالّة على حياة في غاية الدناءة لم تشفع للشرطي صنيعه...كانت تلك المشاهدة الأولى لنظارة المحكمة في واحدة من المرات القليلة التي رافقت فيها والدي إلى عمله..

تجربتي مع الـ"بعث" ربما ليست شخصية بالوجه المباشر .. لكن كانت من القرب بما يكفي لأعدل عن أي فكرة للتوجه لسوريا ولو لزيارة ...

عمّي اسمه بشار للمفارقة البائسة ... أمضى 3 سنوات في جامعة دمشق كلية الحقوق متبعا سياسة الحيط الحيط ويا رب الستر تلاحقه قصص الطلاب الذين اختفوا في نهاية السبعينات من حرم الجامعة ولم يظهر لهم أثر .....  كان على وشك التخرج لولا أن استيقظ صباحا على فوهة كلاشنيكوف الأمن السياسي المصوبة تجاه رأسه خلال مداهمة للشقة التي كان يسكن فيها لا لسبب واضح حتى الان ... المهم أنه كان متوجها إلى عمان صبيحة اليوم التالي في أول سيارة سفريات ماسحا مستقبلا كاملا كان بانتظاره كخريج واحدة من أعتى كليات الحقوق في أرض الضاد ...

أبي خريج بيروت...أمضى جلّ دراسته أثناء الحرب الأهلية هناك...نحن نأتي من عائلة مؤمنة بسيطة .. ليست بالمتدينة مطلقا ولكن أبي أكد لي أنه تيقن من وجود الله مرتين..واحدة في بيروت عندما أخطأته رصاصة قناص استهدفت رأسه في قصه شرحها يطول..الثانية كانت على حدود دولة النظام الممانع أثناء عودته من بيروت بعد تأديته آخر امتحان في مسيرته الجامعية المؤلمة... كان ذلك بعد شهرين مباشرة من مجزرة حماة..الجريمة التي ارتكبها أبي كانت حَمْلهُ لمقرر "أحكام الأسرة في الإسلام" في حقيبة الملابس..ومناداته للعسكري بـ"يا أخي" اثناء النقاش حول سبب وجود الكتاب معه..كان ذلك كافيا لاتهام وإدانة أبي بالانتماء لتنظيم الإخوان المسلمين..أبي كان سيكون الإخونجي الذي لم يصل لله ركعة في ذلك الوقت...تم تجهيزه لمرحلة التعذيب الأولي في المخفر الحدودي..الدولاب كان سيكون الوجبة الأولى..في لحظة يظهر ضابطٌ مشرقُ الوجهِ حسنُ الثيابِ هادئُ الصوتِ والهندامُ على غير عادةِ "حفرتلية" العسكر على الحدود..صفات ملائكية باختصار...أمَرَ باختصارٍ أن يطلق سراح أبي فورا..بعد أن كانت الجيب العسكرية تنتظر الأوامر لنقله إلى سجن في الطريق المتوجهة شرقا...إعداداً لتدمر...أبي منذ تلك اللحظة يؤمن بالله جدا...

ابن عمي .. اختفى ثماني سنوات بعد الاشتباه بكونه عنصرا للمخابرات الأردنية ... لم نعرف شيئا عنه حتى ظهر فجأة بعد العفو العام الذي أُصدر عندما تسلم "مقصوف الرقبة" رقبة الشعب المقهور ...وما زالت تجربة السجن تلاحقه في أحلامه على ما سمعت...

بالخلاص يا شباب أثارت في الكثير .. عن السجن والسجن الأكبر .. بالنسبة لي لم أدخل المخفر إلا مرتين في حياتي..مرة عندما أضعت هويتي والثانية عندما نجوت من حادث سير كاد يودي بحياتي لولا لطف الله ... هذه الأيام يبدو السجن أقرب وأقرب..أنا أعرف أن سجوننا هي عبارة عن فنادق من ذوات الخمس نجوم مقارنة بسجون جيراننا شمالا..لكن فكرة حبسي في مكان واحد وأنا "النيراني" الذي لا أطيق الجلوس في مكان واحد لبضع دقائق تدفعني نحو هاوية معنوية..لكن أحيانا أستطيع أن أرى في السجن الحقيقة الوحيدة في مجموع ال"تشذب" ومخلوطة الهراء "اكسترا" التي تحيط بنا..هو الزبدة وأصنص الحقيقة المجردة من مكياج رخيص يزين وجنتي الغول وأحمر شفاه يخفي نيوباً مستعدة لاقتطاع لحمنا بلا أي لحظة تردد...يقال أن يوسف الصدّيق كتب على باب السجن يوم أن خرج منه: هذا قبر الأحياء.

صديقي عبدالله محادين تم اعتقاله مؤخرا بتهمة أمنية كبرى قبل حفل خطوبته ببضعة أيام...مخطوبته هي أيضا من الحراك الشعبي ولعل ما يصبّرها على المصيبة أنها تعرف عبدالله تماما وتشاركه الهم الأكبر... لو كانت خطوبة عادية ما ظننت لها أن تستمر...فكرة ضياع سنوات خلف القضبان مرعبة جدا...ليست فقط للسجين ولكن لكل من يشاركه حياته.. هو قبر جماعي أكثر منه سجناً...ربما لهذا أحاول أن أدفع قدر الأمكان أي فكرة بالارتباط ما استطعت...على القليل حتى "يبان تاليها... 

طريق المطار تثير فيَّ الكثير من الشجون..قبل ثماني سنوات سافرت إلى الغرب، كانت طريق المطار بالنسبة لي درب الأحلام، كل محطة على الطريق كانت تمثل إشارة اقتراب نحو الأمل..مرج الحمام-جسر ناعور-المنتزه القومي، أما جسر مادبا كان بمثابة لحظة الحقيقة التي أعلن فيها كفري بكل ما ورائي...سافرت..بعد أيام قليلة عدت مضطرا..لكن ما أن وطئت المطار حتى قمت بما لم أتخيل القيام به مطلقا ... قبلت الأرض ... وقبلت الحارس الواقف على باب الطائرة .. أعلنت التوبة وتصالحت مع أرضي ...

صرت أكره طريق المطار..كلما غادر لي صديق أو ودّعتُ أخاً أحسست بشرايين قلبي تنتزع من مكانها مع اقلاع الطائرة...والصراخ داخلي أعلي بكثير من هدير محركها النفاث... لماذا نخسر كل هؤلاء؟

اليوم...وفي ظل كل ما أرى...صِرت أنظر إلى طريق المطار نظر المغشي عليه...الظاهر هو القدر المحتوم عليّ..عاجلا أم آجلا...ولا أدري إلى أين سيكون المفر -ان استطعت طبعا-! دبي؟جدة؟فانكوفر؟ ميونخ... الجويدة أم مقبرة الهاشمية؟؟ ربما وربما ولا أدري لكن المشكلة أن سجني الكبير يضيق شيئا فشيئا ولا أعلم إلى متى سأبقى واقفا ...

ما بين سوريا ... والبلد هنا .. قيد يثقل رقبتي ... وكلما أدرك أن ما يمكنني عمله لا يعدو عن كلمات أرميها هنا وهناك أُغرق في كآبتي .. وتقتلني كلمات أسمعها من البعض.."شو لازم نعمل لسوريا" ؟؟

قَصُّ الضفائر كانت وسيلة احتجاج قصوى عند نسائنا... لو كنت فتاة لقصصت جديلة شعري ووزعتها على كل المارين في شارع الجامعة أو على طريق الرمثا ليسشتعروا رجولتهم ... بالنسبة لي كـ"شاب" لا أجد ما أقدمه سوى بطانيات وثياب تغطي العريّ الذي أحس به أمام أي لاجئ ... حقيقة لا يسعني إلا أن أعتكف في زاوية البيت ...و أنتحب

-           خاطرة كُتبت بعد قراءة "بالخلاص يا شباب" لياسين الحاج صالح

Tuesday, August 28, 2012

حريانت!!


…. …. الحكومة الأردنية تقفز من فرض الأحكام العرفية على الأرض لفرضها على العالم الافتراضي لذلك نرفض وسنرفض أي محاولة رقابية على الانترنت وملاحقة المدونين والمواقع الالكترونية

Tuesday, February 21, 2012

قلمُ أحرًّ أمضى من سكينِ عبد

 تضامنا مع المدونة الأردنية إيناس مسلم ..أعيد تدوين المقال الذي كتبته على مدونتها خُرّافة قلم والذي أدّى لتعرضها للتهديد والطعن في بطنها على يد شرذمة من شراذم زعران وسحيجة وطننا الحبيب المظلوم ..... المقالة تعبر عن رأي كاتبتها ولكن دمها هو دم جميع أحرار الأردن والعرب 
  
عاش الأردن ... ليخسأ الزعران 





تي نخل تي نخل
تي نخل تي نخل

كل من شاهد لقاء سمو الأمير حسن على التلفزيون الأردني استنكر أقواله، واستنكر أن صاحب السمو الذي لطالما عقد الشعب الأردني الآمال على عقليته عقّد تلك الآمال بوجه أصحابها، وكل من رأى أنه الرجل المناسب في كل المناصب أعاد النظر فيما رأى، أما للأسف ما شهدناه من تهكم سموّه على الشعب، وتحدثه باستهزاء عن النخبة السياسية المعارضة في المملكة أثار حنق الشعب بما لا يمكن محوه.

عزيزي سمو الأمير، هل حقاً ترانا بتلك السخافة، يمكنك النزول إلى ساحاتنا وقت ما شئت وتنخيلنا! نحن شعب لسنا أبناء قصور، وذوينا ليسوا أصحاب سمو، ولا يسبق اسمنا ألقاب ملكية، ولكن رضعنا الكرامة من تراب الوطن الذي سففناه جوعاً، وتعلمنا كيف نفكر وكيف نميّز عقولنا عن غيرنا وكيف نصبح نخبة بما لا فضل لكم به، فبأي حق تنخلونا سموّكم؟

نخّلنا بالحق سموّك، نخّلنا بالقلم والورق سموّك، إذا أردت نخّلنا على المنابر، حاورنا، أظهر لنا الحق من الباطل، واشرح لنا أين أخطأنا وأنت أصبت؟ إذا كنت تعتقد أن الشعب الأردني ضعيف العقل واهن الفكر لا يعي ما يفعل، فأعّد التفكير باعتقاداتك سموّك، وأعد ثقتك بالشعب الأردني وثقته بك لمكانها، الشعب الذي يكفي قراءة تاريخه لمعرفة عقليته ووعيه وأخلاقياته، الشعب الذي ملأ ساحات المملكة بلوحات الحق وشعاراته وحمل كل جبل من جبال المملكة وسهولها ووديانها صدى صوته مطالبا بحقوقه التي أدركها وآمن بها بكامل وعيه وطالب بها بكامل قوته، هذا شعبٌ لا ينخَّل، منابره مفتوحة فأشر على من شئت وناظره ستعلم أنه لا ينطق عن الهوى، وستجد أنه لا أجندات لديه سوى حب الوطن والانتماء إليه والولاء له، هذي هي معتقداته فهل تراها دون مستوى إيمانك سموّك؟

من أراد تنخيل الشعب بالساحات، نخلّه الشعب بالمقالات.
و من أراد تنخيل الشعب بالإهانات، نخلّه الشعب بمنابر الأدب.
إيناس مسلّم
19-02-2012

Monday, February 6, 2012

في ذكراك سيدتي ...ما زلنا هنا

شِختُ قبل عامٍ وما زلتُ أشيخ ... 

كنا نُقتل قبل عام أماه ... وما بارحتنا يد الجلاد

رأيتِهم يسقطون.. فكأنكِ قلت
ِ الآن طاب الرحيل 

أيْ أم...

ما زلنا هنا .. وما زلنا على العهد 

وما زالوا أيضا...

ولكن قريبا 
.
.
.

كنت أخجل من دمعك أمي ... على قدر ما هتنته عليّ 

وما زلت عاقّا مثلما عهدتني...

أمي
يا أصيلة  
.
.

هلّا فردت قليلا رقعة الكفن 

فباطن الأرض ... 

أطهر مما على

 ظاهر التُرب 

من الظُلّام ... والعفنِ




إبنكِ...إبنُ حوران الذي لوحّتهُ شمسهَ وما ازدان رسمه إلا بكما 

إبنك ...إبنُ الشام



برشتا - اربد - حوران - أواخر صيف 2006