Saturday, December 3, 2011

عن التشويه العلماني للتوجهات الإسلامية


وكأنها ديمقراطية "تقصيل" وعلى "قد اليد" تريدها أوروبا والغرب الذي ما زال يصحو على كوابيس محاكم التفتيش، ففعليا نجحت القيادة السياسة الأوروبية في نقل الرعب من وصول الإسلاميين إلى سدة حكومات السلطة في دول الربيع العربي، نجحت في نقله إلى "النخب" العلمانية والليبيرالية واليسارية في الوطن العربي المعبئة أصلا ضد الحراك الإسلامي والتي لم تحتج إلى الكثير من التخويف من الإسلاميين لخلق فزاعة النزاع ما بين "الدولة الدينية" و"المدنية" التي قد يؤدي الرعب منها إلى هدم النتيجة الأهم التي خرجنا بها من لهيب ربيعنا العربي: الحرية في التعبير وتداول السلطة.
التشويه اللغوي هو أول مظاهر الاعتداء على التوجه الإسلامي، فمصطلح "الدولة الدينية" لا يعني فعليا سوى أن الدولة تستند إلى مرجعية الدين، في حين أن الدولة غير الدينية لا تستند لمرجعية الدين، ولكن وللأسف تم ربط مصطلح الدولة الدينية بما يعرف بدولة الثيوقراط، التي يستند الحاكم المطلق فيها إلى سلطة إلهية مطلقة تفوضه الحكم باسم الله وتفويضاً منه.
إن هكذا دولة لم توجد أبدا في أصل الإسلام، وهي لا تعدو كونها عن افتراء ظالم ممن أبتلي به سابقا من قبل المؤسسة الدينية في بلده فأراد رمي كل توجه ديني في سائر العالم بهذه الفرية. وحمّل مصطلح الدولة الدينية ما لاتحتمله من معانٍ لغوياً، وسلخها عن مفهومها الإسلامي  وصبغها سلباً بصورة نمطية لا تجد الحركات الإسلامية بُدّا من أن تضع نفسها في موضع الدفاع عن هذا الادعاء.


"الله" يحكم
لا يدري المناقضون للطرح الإسلامي لكونه جاء من خلفية دينية انهم يخلطون بين الحكم بمرجعية دينية والحكم باسم الله وبتفويض منه، فهم ينظرون إلى الحراك الإسلامي على أنه سيأتي ليقيم استبدادا آخر باسم الدين، وتأتي العديد من الخطابات العلمانية بخطاب خبيث يفصل الإسلام عن الحراك الإسلامي لكي يتأتى لها أن تدين الخطاب الإسلامي المعاصر من دون أن تهاجم الإسلام –غالبا- وليبقى مصطلح الدولة الدينية مصطلحا عوّاما خاليا من أي تعريف واضح في كتب العلمانية ومراجعها السياسية ولا يعدو كونه فزّاعة لتخويف الشعوب والأقليات من الحكومات الإسلامية والطرح الديني الإسلامي بشكل عام.
لم يطرح يوماً في الخطاب الإسلامي –السنّي- الماضي أو المعاصر مبدأ الحكم المطلق كأسلوب حكم بتفويض من الله، بل إن الاستطناعية في إرادة الحكم كما جاء في العقد الاجتماعي لجان جاك روسو كانت هي الأساس الذي قامت عليه الدولة الإسلامية وخصوصا في عهدها الراشد، بل إن دولة المواطنة هي الدولة التي قامت عليها دولة المدينة المنورة منذ بدايتها واختزل ذلك في الوثيقة التي صيغت عند قدوم الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المدينة لتصيغ شكل العلاقة بين مواطني تلك المدينة من مسلمين ويهود ومشركين، حيث كانوا جميعا بنفس العهد ونفس الولاية فانتفت بذلك العديد من الدعوات المعاصرة التي تخوّف من تشكيل مجتمع يتكون من مواطنين من درجات مختلفة حسب انتمائهم الإيدولوجي.
بل إنه لا يجب تفويت الفرصة للتذكير بأن العديد العديد من أنظمة الحكم العلمانية وخصوصا في عالمنا العربي جاءت فرضا على الشعوب وليس باختيارهم، ولذا فإن المحاولة لفرض طبيعة علمانية خالصة لتحكم مجتمعات ذات مرجعية أيدولوجية إسلامية ليست سوى ضرب آخر ضروب الاستبداد وفرض الوصاية على الناس بدعم خارجي.

فن التشويه ..... وما بين دينية ومدنية
للأسف تعتبر المراوغة والـ(دهلزة) هي الأسلوب الأبرز في كل سياستنا و سياسيينا، ونرى ذلك جليا ظاهرا في مسألة مدنية الدولة وتديّنها، فنرى بعض "النخب" العلمانية تحذر وتبارز من تحّول الدول إلى دينية حتى تفتح باب الجدال والنقاش اللامنتهي حول موضوع طرح بطريقة خاطئة ومغلوطة ابتداءً من عنوانه حتى، ويتم توظيف كل القضايا الإنسانية وحقوق الإنسان والأقليات وكل المصطلحات الجذابة الإيجابية ورميها في حوض "المدنية" حتى يتم استثنائها فطرةً من دخولها في حوض "الدينية" وفي الحقيقة فإن كل هذه المصطلحات يتم اتنزاعها من معناها وحقيقتها الموضوعية البحتة وتوظيفها سياسيا علمانيا بطريقة ناجحة وللأسف.
لا يجد الإسلاميون أنفسهم في هذه الزوبعة إلا في موقف الدفاع والتبرير وإيضاح أن كافة تلك المعاني الإيجابية هي محتواة ضمن طروحاتهم، ولكن وللأسف فقد أسهمت هذه الحرب التي تم إعلانها على كل ما ومن صبغ نفسه بصفة "الإسلامي" بصورة سلبية جدا، فوجدت العديد من المجتمعات والتجمعات الإسلامية نفسها مرغمة على الإبتعاد عن الحراك السياسي بشكل عام والانطواء على نفسها وربما الاكتفاء بشكل العمل الخيري كأسلوب دعوة ونشاط بعدما صارت الاتهامات والشكوك هي ردود الفعل الطبيعية والمباشرة سواءً بين النخب أو حتى بين شريحة من أبناء المجتمع الذين أعمتهم حرب المصطلحات والتشويه الفكري واللغوي عن رؤية الصورة الحقيقية لنتاج الفكر الإسلامي الممتد عبر مئات السنين والاكتفاء بالنظر إلى بعض الصور النمطية التي شاعت عمن اتخذ الإسلام كمرجعية في نشاطة الاجتماعي والسياسي.  بل إن كل الضغوط التي تتعرض لها الحركة الإسلامية على تنوعها وامتدادها أدت إلى إيجاد تعددية مقلقة في الخطاب الإسلامي، لم تنبع من التعددية الداخلية للمعتقد بل جراء الحصار المفروض وحرب المصطلحات المعلنة عليه.

لست خائفا من الخطاب الديني المتشدد بقدر ما أخشى من الخطاب الأصولي العلماني المتطرف وان يستحيل بنا الأمر كما استحال بغيرنا .... أن تصبح العلمانية ديناً.

*بتصرف عن مقال د.رفيق حبيب 

No comments:

Post a Comment